هشام جعيط

395

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الحضارة المختلفة والمادية ، كالزراعة والصناعة والتبادل التجاري . فمن المعلوم الذي لا يمكن إنكاره أن التأثير اليمني في الأندلس ظهر في أساليب الريّ وفي ذلك الحجم الكبير والمتنوع من المنتجات اليمنية ، وأهمها الأسلحة والأقمشة « 1 » . ولكن اليمنيين لم ينصرفوا إلى الأعمال الزراعية والحرفية بأكثر من العرب الذين استقروا في الأمصار العراقية ، وذلك في القرن الأول على الأقل ، وبسبب كونهم يتقاضون رواتب مالية ؛ فتركت تلك الأعمال إلى السكان الأصليين ( من ذمّيين وموالي وعبيد ) . وإذا ، كانت الهيمنة للتقاليد المحلية القائمة الآرامية والفارسية . على أن الخبرات والمعارف اليمنية قد تكون تسرّبت على نحو مباشر إلى الحياة الاقتصادية ، وبخاصة في الري والتجارة ، لا سيما بعد ما نزع السلاح من البصرة والكوفة وانخرط في الحياة المدنية جميع الذين كانوا يقاتلون ويشاركون في الفتوحات . لقد كانت الكوفة أحد مهدي الثقافة العربية الإسلامية ، وهذا أمر واقع متفق عليه . وكان اليمنيو الأصل يسهمون إسهاما نشطا وفعالا في بلورة هذه الثقافة . لكن ، يبقى أن المسألة التي ينبغي التحقق منها هي إلى أي مدى تمّ إنجاز ذلك الإسهام تحت عنوان أو في إطار الهوية اليمنية . استلهمت هذه الثقافة مرجعين أو نظامين أساسيين هما الإسلام من جهة ، والعروبة البدوية من جهة ثانية . كما كانت تلك الثقافة على تماسّ مع ثقافات البلدان المغلوبة ، فتأثرت بها من خلال سعيها إلى الإجابة عن أسئلة جديدة لم يسبق أن واجهتها قط ، فقد طرحتها عليها الظروف التاريخية والاجتماعية المستجدة . فقراءة القرآن وجمع الأحاديث النبوية وصوغ قانون قضائي وتثبيت قواعد اللغة والكتابة ، والتوق التاريخي إلى أيام الجاهلية وقيم العروبة البدوية ، أو على العكس من ذلك ، إلى العصر الذي دشنه نزول القرآن ، ذلك كله شكل تحديات راح يتصدى لها مؤسسو الثقافة العربية الإسلامية . وفي خضم هذه الأمور التي كانت في طور التخلق ، انحسرت اللغة الحميرية لفظا وكتابة ، لما فيه مصلحة اللغة القرآنية وكتابة أهل الحيرة ( التي ضبطتها إياد ، على ما يقال ) . وكان تاريخ « أيام العرب » الحديث يفوق مجدا مآثر ملوك حمير . فلم يكن معترفا بشيء من الميراث اليمني كأساس للوعي العربي الجديد ، حتى ولو كان عليه أن يلعب دورا في الوعي السياسي بوصفه ذاكرة ، كما مرّ بنا . انطلاقا من هذا التصحيح

--> ( 1 ) راجع في هذا الموضوع : صالح أحمد العلي ، تنظيمات . . ( مرجع مذكور ) .